الشيخ الطبرسي

129

تفسير مجمع البيان

والعابدين ) فيحتمل أن يكون جرا ، وأن يكون نصبا ، أما الجر فعلى أن يكون وصفا للمؤمنين أي : من المؤمنين التائبين ، وأما النصب فعلى إضمار فعل بمعنى المدح ، كأنه قال أعني وأمدح التائبين . اللغة : السائح : من ساح في الأرض يسيح سيحا : إذا استمر في الذهاب ، ومنه السيح : الماء الجاري ، ومن ذلك يسمى الصائم سائحا ، لاستمراره على الطاعة في ترك المشتهى . الاعراب : ( وعدا ) نصب على المصدر ، لأن قوله ( اشترى ) يدل على أنه وعد ، ومثله ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) ، و ( فطرة الله التي فطر الناس عليها ) . المعنى : لما تقدم ذكر المؤمنين والمنافقين ، عقب سبحانه بالترغيب في الجهاد ، فقال : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) حقيقة الاشتراء لا تجوز على الله تعالى ، لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملكه ، وهو عز اسمه مالك الأشياء كلها ، لكنه مثل قوله : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) في أنه ذكر لفظ الشراء والقرض تلطفا ، لتأكيد الجزاء ، ولما كان سبحانه ضمن الثواب على نفسه ، عبر عن ذلك بالاشتراء ، وجعل الثواب ثمنا ، والطاعات مثمنا ، على ضرب من المجاز ، وأخبر أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم يبذلونها في الجهاد في سبيل الله ، وأموالهم أيضا ينفقونها ابتغاء مرضاة الله ، على أن يكون في مقابلة ذلك الجنة . وروي عن الأعمش أنه قرأ : بالجنة ، وهي قراءة عمر بن الخطاب . والجهاد قد يكون بالسيف ، وقد يكون باللسان ، وربما كان جهاد السان أبلغ ، لأن سبيل الله دينه ، والدعاء إلى الدين يكون أولا باللسان ، والسيف تابع له ، ولأن إقامة الدليل على صحة المدلول ، أولى ، وإيضاح الحق وبيانه أحرى ، وذلك لا يكون إلا باللسان ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا علي ! لئن يهدي الله على يديك نسمة ، خير مما طلعت عليه الشمس ) . وإنما ذكر سبحانه شراء النفس والمال ، لأن العبادات على ضربين : بدنية ومالية ، ولا ثالث لهما . ويروى أن الله سبحانه تاجر المؤمنين ، فأغلى لهم الثمن ،